محمّد صلى الله عليه وآله وسلم نبيّ الرحمة 
((سيرة النبي الأكرم(ص)))
يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾1. 

﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾2.


تمهيد


نبيّ الرحمة في سطور: ولد خاتم النبيّين محمّد بن عبدالله بن عبد المطّلب صلى الله عليه وآله وسلم في السابع عشر من شهر ربيع الأوّل من عام الفيل، توفيّ أبوه وهو جنين، ثمّ استرضع في بني سعد، ورُدّ إلى أمّه وهو في الرابعة أو الخامسة من عمره. وقد توفّيت أمّه حين بلغ السادسة فكفله جدّه عبد المطلب واختصّ به وبقي معه سنتين ثمّ ودّع جدّه الحياة بعد أن أوكل أمر رعايته إلى عمّه الحنون أبي طالب، حيث بقي مع عمّه إلى حين تزوّج من خديجة وهو في ريعان شبابه، وكان قد عُرف بالصادق الأمين، وقد ارتضته القبائل المتنازعة لنصب الحجر الأسود لحلّ نزاعها فأبدى حنكةً وإبداعاً رائعاً أرضى به جميع المتنازعين، وحضر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حلف الفضول بعد العشرين من عمره. وبُعث بالرسالة وهو في الأربعين، وبعد مضي ثلاث سنوات من بداية الدعوة إلى الله، أمره الله بإنذار عشيرته الأقربين ثمّ أمره بأن يصدع بالرسالة ويدعو إلى الإسلام علانية ليدخل من أحبّ الإسلام في سلك المسلمين والمؤمنين وأسّس النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم أوّل دولة إسلامية فأرسى قواعدها في السنة الأولى بعد الهجرة وبنى المسجد النبويّ الّذي أعدّه مركزاً لدعوته وحكومته.. وكان العام العاشر عام حجّة الوداع وآخر سنة قضاها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع أمّته وهو يمهّد لدولته العالمية ولأُمّته الشاهدة على سائر الأمم، وتوفّي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في 28 صفر سنة إحدى عشرة هجرية بعد أن بلّغ الرسالة وأحكم دعائم دولته الإسلامية حيث عيّن لها القيادة المعصومة الّتي تخلفه متمثّلة في شخص الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.


1- محمّد صلى الله عليه وآله وسلم نبيّ الهدى والرحمة 

تسعى بعض وسائل الإعلام الغربية في السنوات الأخيرة - بحجّة حرّية الرأي والتعبير- للنيل من أعظم شخصية إنسانية في الوجود وهي شخصية النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، الّذي تصوّره وسائل الإعلام الغربية بوسائل وأساليب ساخرة بأنّه رجل حرب وقتل ونهب وسلب، وأنّه كان غليظ القلب، وأنّ الإسلام دين العنف والرهبة والقتال.

هذه الشخصيّة الّتي نالت القدر الأوفى من كلّ الشمائل الحسنة والخلال النبيّلة، والقيم الإنسانيّة العليا، وحرّرت الإنسان ورفعت عنه إصر عبوديات وأغلال كثيرة كانت منتشرة في العالم، فلقد شكّلت شخصية النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم الرجل الّذي اكتملت فيه كلّ الأخلاق الحميدة، وانتفت عنه كلّ الأخلاق الذميمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾3. فشكّلت حياة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم المثل الأعلى للإنسانية في جميع أحوال الحياة وأوجهها؛ في السلم والحرب، في الحياة الزوجية، مع الأهل والأصحاب، في الإدارة والرئاسة والحكم والسياسة، في البلاغ والبيان، فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو المثل الكامل. قال الله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾4، ﴿.....لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة........﴾5.

فكان صلى الله عليه وآله وسلم يفيض رحمة في خلقه وسلوكه وأدبه وشمائله، فلا يحمل عبء بلاغ هذه الرحمة إلى العالمين إلّا رسول رحيم ذو رحمة عامّة شاملة فيّاضة طبع عليها ذوقه ووجدانه، وصيغ بها قلبه وفطرته. قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾6. 

فهو مثل أعلى للرحمة الإلهيّة لذلك وصفه الله تعالى بأنّه رؤوف رحيم يستطيع المؤمنون الاستفادة من الرحمة الّتي كان يُمثّلها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ذلك لأنّه "بالمؤمنين روؤف رحيم" ويستطيع الكافرون والمنافقون أيضاً -إلى جانب المؤمنين - الاستفادة من هذه الرحمة كذلك، فعندما قيل له: ادع على المشركين قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي لم أُبعث لعّانًا، وإنّما بُعثت رحمة"7.


2- النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم الإنسان العطوف والمحبّ

وإذا التفتنا إلى حياته الخاصّة صلى الله عليه وآله وسلم في بيته ومع أولاده وأهل خاصّته لوجدنا بأنّ الرحمة والشفقة من أبرز أخلاقه وخصاله صلى الله عليه وآله وسلم وقد وصفه الله في القرآن الكريم بذلك، فقال تعالى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾8. وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾9. 

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يُحبّ الأطفال، ويُقبّل أولاده، ويعطف عليهم، ويأمر بالمساواة في المحبّة بينهم، كما كان يحبّ أهله وزوجاته، وهو القائل: "حبّب إليّ من دنياكم: الطيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة". وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"10. وكان صلى الله عليه وآله وسلم رحيماً بالجميع، بل إنّه يسمع بكاء الصبيّ فيسرع في الصلاة مخافة أن تُفتتن أمّه. و كان صلى الله عليه وآله وسلم يمرّ بالصبيان فيسلّم عليهم. وجاء الحسن والحسين مرّة، وهما ابنا ابنته وهو يخطب الناس فجعلا يمشيان ويعثران فنزل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر، فحملهما حتّى وضعهما بين يديه، ثمّ قال صدق الله ورسوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾11 نظرت إلى هذين الصبيّين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتّى قطعت حديثي ورفعتهما. وفي رواية "ما ضرب رسول الله شيئًا قطّ بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلّا أن يجاهد في سبيل الله"12. 

وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يُقَبِّلُ ابنه إبراهيم عند وفاته وعيناه تذرفان بالدموع؛ فيتعجّب بعض الحاضرين ويقول: وأنت يا رسول الله! فيقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "يابن عوف، إنّها رحمة، إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلّا ما يُرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"13. 

ومن تواضعه وشكره: قال الإمام عليّ عليه السلام "كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا سُئل شيئاً فأراد أن يفعله قال: نعم، وإذا أراد أن لا يفعل سكت، وكان لا يقول لشيء لا"، وأمّا علاقته بأصحابه، فقد قال تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾14، وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُقسّم لحظاته بين أصحابه، فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسويّشة؛ وقال: ولم يبسط رسول الله رجليه بين أصحابه قطّ، وإن كان ليصافحه الرّجل فما يترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده من يده حتّى يكون هو التارك..."15.


3- رحيم في الحرب والسلم 

و كان صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب يقاتل بشجاعة، ولكنّه أيضاً كان صاحب شفقة عظيمة، كان سياسيّاً، ولكنّه في الوقت نفسه صاحب مروءة كبيرة وقلب كبير. ففي غزوة أحد استشهد عمّه حمزة أسد الله ورسوله رضي الله عنه، ومُزّق جسده تمزيقاً، وشُجّ رأس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكُسِرت رباعيّته، وغطّى الدم جسده الشريف، وكان يدعو في مقابل أذى أهل مكّة له: "اللهمّ اغفر لقومي إنّهم لا يعلمون"16. فهل يوجد أرحم من النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذه اللحظات. 
وفي فتح مكّة كيف تعامل مع من أخرجوه وظاهروا على إخراجه وإيذائه؟ وكيف تعامل مع من حاصروه في شعب أبي طالب وتسبّبوا في وفاة أحبّ زوجاته إليه خديجة الكبرى رضي الله عنها، وفي وفاة عمّه أبي طالب؟ فلقد دخل مكّة بعشرة آلاف مقاتل، دخل على مركبه، والدرع على صدره، والسيف في يده، ولكنّه مع كلّ مظاهر النصر هذه كان أنموذجاً للرحمة، فسأل أهل مكّة: "ما ترون أنّي فاعل بكم؟" فأجابوه: "خيراً أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم" فقال لهم ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: "لا تثريبَ عليكم اليوم يَغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين"17. لقد قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطُلَقاء"18.


4- رسالة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم دين المحبّة والرحمة

الدِّين الإسلامي هو دين الرحمة والمحبّة والسلام والدعوة إلى الخير، وما عالميّته وتشريعه للقتال والجهاد إلّا أحد مظاهر هذه الرحمة، إذ لا يمكن إيجاد الرحمة كخُلق للأفراد والمجتمعات إلّا بدفع الظالم ورفع ظلمه عن المظلومين.

يقول الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾19. ويقول الله تعالى: ﴿فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾20، ونحن دائمًا نُردّد في أوّل أعمالنا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾21. ويقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "لمّا خلق الله الخلق كتب عنده فوق عرشه: إنّ رحمتي سبقت غضبي"22. 

فرحمة الله سبحانه واسعة، ولا يعلم مداها إلّا هو، فهو القائل سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾23.

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "جعل الله الرحمة مائة جزءٍ، فأمسك تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق؛ حتّى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه"24. 

رحمة البشر: الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "ارحم من في الأرض، يرحَمْك من في السماء"25 و "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم؛ مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"26 فالمسلم رحيم في كلّ أموره؛ يعاون أخاه فيما عجز عنه؛ فيأخذ بيد الأعمى في الطرقات ليجنِّبه الخطر، ويرحم الخادم؛ بأن يحسن إليه، ويعامله معاملة كريمة، ويرحم والديه، بطاعتهما وبرّهما والإحسان إليهما والتخفيف عنهما.

الغلظة والقسوة: حذَّر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الغلظة والقسوة، وعدَّ الّذي لا يرحم الآخرين شقيّاً، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تُنْزَعُ الرحمةُ إلّا من شَقِيّ"27 وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يرحم اللهُ من لا يرحم الناس"28.

ولا مجال في هذه العجالة لعرض كلّ نماذج الرحمة في الدِّين الإسلامي وسيرة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حيث شملت كلّ خلق الله تعالى من الإنسان والحيوان.

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقامي بين أظهركم خيرٌ لكم، فإنّ الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾29 ومفارقتي إيّاكم خيرٌ لكم. فقالوا يا رسول الله، مقامك بين أظهرنا خيرٌ لنا، فكيف تكون مفارقتك خيراً لنا؟ قال: أما أنّ مفارقتي إيّاكم خيرٌ لكم، فإنّ أعمالكم تُعرض عليّ كلّ خميس وإثنين، فما كان من حسنة حمدتُ الله عليها، وما كان من سيّئةٍ استغفرت الله لكم"30. 

يقول الشاعر: 

ارحم بُنَي جمـيــع الخـلـق كُلَّـهُـمُ                   وانْظُرْ إليهــم بعين اللُّطْفِ والشَّفَقَةْ
وَقِّــرْ كبيـرَهم وارحم صغيـرهــم                  ثم ارْعَ في كلّ خَلْق حقَّ مَنْ خَلَـقَـهْ

* كتاب إلا رحمة للعالمين، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- سورة الأنبياء، الآية: 107.
2- سورة التوبة، الآية: 128.
3- سورة القلم، الآية: 4.
4- سورة يسن، الآيتان: 3 4.
5- سورة الأحزاب، الآية: 21.
6- سورة التوبة، الآية: 128.
7 ميزان الحكمة، محمّد الري شهري، ج 4، ص 274. 
8- سورة الأنبياء، الآية: 107.
9- سورة آل عمران، الآية: 159.
10- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج 3، ص 555.
11- سورة الأنفال، الآية: 28.
12- ميزان الحكمة، محمّد الري شهري، ج 4، ص 3231. 
13- المحلى، ابن حزم، ج 5، ص 146.
14- سورة التوبة، الآية: 128.
15- الكافي، ج2، ص671.
16- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج 95، ص 167.
17- سورة يوسف، الآية: 92، الكافي، ج 4، ص 225.
18- الكافي، ج 3، ص 513.
19- سورة الأنعام، الآية: 54.
20- سورة يوسف، الآية: 64.
21- سورة الفاتحة، الآية: 1.
22- الكافي، ج 2، ص 375.
23- سورة الأعراف، الآية: 156.
24- كنز العمال، المتقي الهندي، ج 4، ص 250.
25- من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج 4، ص 379.
26- كنز العمال، المتقي الهندي، ج 1، ص 149.
27- م. ن، ج 3، ص 163
28- م. ن.
29- سورة الأنفال، الآية: 33.
30- تفسير القمي، ج1، ص276.