سيرة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام


الأجواء العامة
طارد العباسيون ذرية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وأتباعهم، ولاحقوهم على امتداد العالم الإسلامي وحاولوا استئصالهم خوفاً من ثوراتهم ومكانتهم ومدى تأثيرهم في قلوب الناس. وقد أحصي الكثير من الشهداء الذين قتلوا ابتداءً من تسلم أبي العباس السفاح السلطة وحتى وفاة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ، وكان أشهرهم الشهيد محمد بن عبد الله بن الحسن النفس الزكية المقتول سنة 145هـ والشهيد الحسين بن علي بن الحسن شهيد فخ الذي استشهد سنة 169هـ، بالإضافة إلى استشهاد الإمام الكاظم عليه السلام نفسه على يد هارون الرشيد سنة 183هـ بعد سنين قضاها يتنقل في سجون هذا الطاغية.

وفي هذه الفترة انتشر الفسق وشرب الخمر والمجون الذي غصت به قصور الخلفاء، وكانت أموال بيت المال تصرف على المغنين والجواري وأمثالهم، وينقل ابو الفرَج: "أهديت إلى الرشيد جارية... وأخرج كل قينة في داره واصطبح فكان جميع من حضره من جواريه المغنيات والخدمة في الشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زي من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر...

فلما جاء وقت صلاة العصر لم يشعر الرشيد إلا وعلية قد خرجت من حجرتها وأم جعفر من حجرتها معها زهاء ألفي جارية من جواريها...

فطرب الرشيد وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر وعلية وهو على غاية السرور وقال: لم أر كاليوم قط، يا مسرور لا تبقين في بيت المال درهماً إلا نثرته، فكان مبلغ ما نثره يومئذٍ ستة الاف ألف درهم".

هذا نموذج يحكي عن الاستهتار الفاحش بأموال المسلمين، والخروج عن أحكام الدين، في الوقت الذي كانت الأكثرية الساحقة في البلاد الإسلامية تعاني الفقر والحرمان، ومن شعر قاله الشاعر أبو العتاهية:

إني أرى الأسعار أسعار الرعية غالية
وأرى المكاسب نزرة وأرى الضرورة فاشية
وأرى غموم الدهر رائحة تمر وغادية
وأرى اليتامى في البيوت الخالية
من بين راج لم يزل يسمو إليك وراجية
يشكون مجهدة بأصوات ضعاف عالية
يرجون رفدك كي يروا مما لقوه العافية
من مصيبات جوّع تمسي وتصبح طاوية
من للبطون الجائعات وللجسوم العارية

وأما على المستوى العلمي فقد كثرت الشبهات على الناس ونشأت الكثير من الفرق والمذاهب والتيارات المنحرفة، حتى وصل بعضها إلى الإلحاد.

أولويات المواجهة
لقد أظهر الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام العلوم والمعارف الإسلامية الأصيلة وحددوا المناهج والاصول والمعالم، وبدأ الإمام الكاظم عليه السلام بدور اخر هو الجهاد والصراع السياسي، وبدأ بخطوات عملية في هذا الإطار، وأما الجهاد العسكري فلم تكن الأمة جاهزة لمثل هذا الخيار ولم يكن هناك الأنصار الكافين والأجواء الملائمة لمثل هذا الأمر، وهذا ما نجده في كلمته لشهيد فخ الحسين بن علي عندما راه عازماً على الخروج: "إنك مقتول فأحدّ الضراب، فإن القوم فساق يظهرون إيماناً ويضمرون نفاقاً وشركاً فإنا لله وإنا إليه راجعون وعند الله أحتسبكم من عصبة".

فإن الإمام عليه السلام كان يعلم أن أي عمل جهادي مسلح لن يكتب له النجاح في الظروف الراهنة، وقد عاصر عليه السلام حكم المنصور والمهدي والهادي والرشيد.

وقد ارتسم هذا العمل السياسي غير المسلح في العديد من الأمور:

1- بيان حق الإمام عليه السلام بالخلافة:
هذا البيان الذي انتقل من إطاره العلمي إلى إطار التحدي وصناعة الجو السياسي، ومما ينقل أن هارون لما زار قبر النبي صلى الله عليه وآله وقد احتفى به الأشراف والوجوه والوزراء وكبار رجال الدولة، أقبل على الضريح المقدس ووجه للنبي صلى الله عليه وآله التحية قائلاً: السلام عليك يا ابن العم، قاصداً الافتخار على من سواه برحمه الماسة من النبي صلى الله عليه وآله داعماً خلافته من خلال ذلك، وكان الإمام عليه السلام موجوداً فسلم على النبي صلى الله عليه وآله قائلاً: "السلام عليك يا أبتِ".

ففقد الرشيد صوابه وانتفخت أوداجه وقال: لم قلت أنك أقرب إلى رسول الله منا.
فقال عليه السلام : "لو بعث رسول الله حياً وخطب منك كريمتك هل كنت تجيبه إلى ذلك؟".
فقال هارون: سبحان الله! وإني لافتخر بذلك على العرب والعجم.
فقال عليه السلام : "ولكنه لا يخطب مني، ولا أزوجه، لأنه والدنا لا والدكم فلذلك نحن أقرب إليه منكم".

2 - النفوذ إلى السلطة والتأثير من داخلها:
لقد استطاع الإمام أن ينفذ من خلال بعض شيعته إلى مركز القرار ليشكل عيناً تنقل التوجهات للاتقاء منها من جهة ولمحاولة التأثير على تلك القرارات من جهة أخرى، أو على الأقل خدمة المؤمنين ورفع الظلم عنهم بالقدر الممكن، ومن تلك الشخصيات علي بن يقطين، الذي كان وزيراً لهارون الرشيد، وقد قال له الإمام الكاظم عليه السلام "يا علي إن لله تعالى أولياءً مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي".

وكان الإمام عليه السلام حريصاً على أمن علي بن يقطين وعدم كشفه من قبل هارون وأعوانه، ومرة أهدى الرشيد إلى ابن يقطين ثياباً فاخرة فيها دراعة فاخرة فقام من فوره وأهداها إلى الإمام عليه السلام فردها الإمام وكتب إليه: "احتفظ بها ولا تخرجها عنك فسيكون لك بها أن تحتاج معه إليها".

وبعدها جاء ساعٍ إلى هارون يقول له أن علي بن يقطين يقول بامامة موسى الكاظم، وأنه قد حمل إليه في هذه السنة تلك الدراعة السوداء التي أكرمته بها، فاستدعى هارون علي بن يقطين وقال له: افعلت بالدراعة السوداء التي كسوتك بها وخصصتك بها من بين سائر خواصي؟

فقال ابن يقطين: "هي عندي يا أمير المؤمنين، في سفط من طيب مختوم عليها، فطلب إحضارها، فأرسل من يحضرها من مكانها، وعندما راها هارون قال: ردها إلى مكانها وخذها وانصرف راشداً فلن نصدق بعدها عليك ساعياً".

3 - تعرية السلطة:
فقد كان الإمام يظهر عدم شرعية هذه السلطة، ومما ينقل أن هارون قال لأبي الحسن الكاظم عليه السلام حين أدخل عليه: ما هذه الدا؟

فقال عليه السلام : هذه دار الفاسقين.
فقال له هارون: فدار من هي؟
قال: هي لشيعتنا فترة ولغيرهم فتنة.
قال: فما بال صاحب الدار لا يأخذها؟
فقال عليه السلام : أخذت منه عامرة ولا يأخذها إلا معمورة.
قال: فأين شيعتك؟

فقرأ أبو الحسن عليه السلام : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَة﴾1.
فقال له: فنحن كفار؟
قال عليه السلام : "لا، ولكن كما قال الله «الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار".
فغضب عند ذلك وغلظ عليه.

أسباب سجن الإمام عليه السلام
1- حقد هارون على كل شخصية بارزة:
فلم يرق له أن يسمع الناس يتحدثون عن أي شخص يتمتع بمكانة عليها، ويكفي دليلاً على ذلك ما فعله بالبرامكة حيث محا وجودهم رغم كونهم حاشيته ورجاله، بعد أن ذاع اسمهم بين الناس وصار لهم عز وجاه.

2- بغضه على العلويين:
فقد كان هارون حاقداً على العلويين وكان يتفنن في تقتيلهم والبطش بهم، فلم يكن مرتاحاً لوجود سيدهم الكاظم عليه السلام في دعة واطمئنان وأمان.

3 - الوشاية به عليه السلام :
لقد وشى بعض المتزلفين لهارون بالإمام الكاظم عليه السلام وتناولت الوشاية أموراً عديدة، منها:

أ - جباية الأموال له، ففي الوقت الذي كان يقوم هارون الرشيد بحصار العلويين اقتصادياً لتجويعهم وإفقارهم وصلت إليه وشاية تخبره أن الأموال تصل للإمام عليه السلام من جميع أقطار العالم الإسلامي وأنه اشترى ضيعة تسى البسرية بثلاثين الف دينار.

ب - طلب الخلافة، ويذكر المؤرخون من الواشين علي بن اسماعيل بن جعفر حيث خرج إلى بغداد فدخل على الرشيد وقال له: ما ظننت أن في الأرض خليفتين حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يسلم عليه بالخلافة. فلما سمع ذلك هارون فقد صوابه.

ومن الأمور التي ملأت قلب هارون غيظاً، انه كان يقول لموسى بن جعفر عليه السلام : خذ فدكاً حتى أردها اليك، فيأبى حتى ألح عليه.

فقال عليه السلام: لا اخذها إلا بحدودها.
قال: وما حدودها؟
قال عليه السلام: ان حددتها لم تردها؟
قال: بحق جدك إلا فعلت.
قال عليه السلام: أما الحد الاول فعدن. فتغير وجه الرشيد وقال: أيها.
قال عليه السلام: والحد الثاني سمرقند. فاربد وجهه.
قال عليه السلام: والحد الثالث افريقية. فاسود وجهه وقال: هيه.
قال عليه السلام: والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وارمينية.
قال الرشيد: فلم يبق لنا شي‏ء، فتحول إلى مجلسي.
قال موسى عليه السلام : قد أعلمتك أنني إن حددتها لم تردها فعند ذلك عزم على قتله.

وهكذا فقد كان اعتقال الإمام عليه السلام سنة 971هـ في شهر شوال، وبقي يتنقل في السجون يلاقي أنواع التضييق والتنكيل إلى أن عمد الرشيد إلى رطب فوضع فيه سماً فاتكاً وأمر السندي أن يقدمه إلى الإمام عليه السلام ويحتم عليه أن يتناول منه فمضى شهيداً سنة 173 هـ.

الخلاصة
1- تعرض العلويون لاضطهاد كبير من قبل العباسيين استشهد على أثره حسين بن عبد الله(النفس الزكية) وحسين بن علي بن الحسن(شهيد فخ).
2 - عاش الخلفاء لا سيما هارون الرشيد بحالة بذخ وإسراف ومجون فيما كان العالم الإسلامي يئن من الوضع الاقتصادي الضاغط
3 - كان عمل الإمام عليه السلام السياسي ضمن إطار بيان حق الإمام عليه السلام بالخلافة، والنفوذ إلى السلطة وتعريتها من كل شرعية في نظر المسلمين.
4 - تم سجن الإمام عليه السلام نتيجة حقد الرشيد وبغضه للعلويين وكذلك نتيجة الوشاية بالإمام من قبل بعض المتزلفين، وخوف الرشيد، فكانت شهادته بدس السم بعد معاناة طويلة في سجون الرشيد.

*محطات من سيرة اهل البيت، سلسلة الدروس الثقافية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- البينة: