السيرة ومصادرها الأصيلة 
((سيرة النبي الأكرم(ص)))
معنى السِّيرة النبويّة والهدف من دراستها كلمة السِّيرة مشتقّة من كلمة السَّير، والسَّير يعني المشي والحركة، بينما السِّيرة تعني طريقة المشي والحركة والسلوك.

وبعبارة أُخرى: السيرة عبارة عن الأسلوب والنمط الذي يتّبعه الإنسان في حياته وفي أعماله اليومية.

وعندما نبحث في السيرة النبويّة، فإنّنا نُريد التعرُّف إلى الأسلوب والنمط الذي كان يتّبعه النبيّ محمّد بن عبد الله صلى الله عليه واله وسلم في أعماله اليوميّة، للوصول إلى أهدافه النبيلة، مثلاً: كيف كان سلوكه؟ كيف كانت أخلاقه وعلاقاته بأصحابِه وزوجاته ومجتمعه؟ كيف كان يُبلّغ رسالته؟ ما هي الأحداث التي واجهها في طريق الدعوة إلى الله؟ وكيف كان يتعامل معها؟ كيف كان يقود مجتمعه إداريّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً وتربويّاً وتعليميّاً؟ وغير ذلك.

إنّ الكشف عن جوانب شخصيّة النبيّ صلى الله عليه واله وسلم وما يرتبط بحياته ومواقفه وسلوكه وأوضاعه وطريقة تعامله مع الأحداث والتحدّيات والمستجدّات وغير ذلك، هو ما يُراد بحثه عادة في السيرة النبويّة 1.

وتتجلّى هذه السيرة في مجموع أقوال المعصومينعليهم السلام وأفعالهم ومواقفهم تجاه الأحداث والظواهر المختلفة، التي عاصروها وعاشوها منذ بعثة الرسول صلى الله عليه واله وسلم حتّى انتهاء الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر المهديّ المنتظر.

وقد اهتمّ القرآن الكريم ببيان سيرة الأنبياء عليهم السلام والصلحاء، ودعا إلى الاقتداء بسيرتهم، والاعتبار بسيرة الغابرين والاتّعاظ بها، كما دعا وأكّد على الاهتمام بسيرة خاتم الأنبياء وسيّدهم محمّد بن عبد الله صلى الله عليه واله وسلم، وحثّ المسلمين على الاقتداء برسوله الكريم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾2 .ثمّ أمر المسلمين جميعاً بالالتزام بما يصدر عن رسوله الذي لا ينطق عن الهوى بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ 3.

ومن المعلوم أنّ السيرة العظيمة للنبيّّ صلى الله عليه واله وسلم قد تعرّضت للكثير من الجعل والافتراء والتشويه على أيدي الكثيرين من حكّام ومندسّين وغيرهم.. حيث كانت لدى هؤلاء خطّة خبيثة تستهدف النيل من شخصيّة النبيّّ صلى الله عليه واله وسلم وسيرته. وقد نُفِّذت هذه الخطّة عن طريق دسِّ نصوص مُخْتَلقة ومزيَّفة في كتب السيرة والتاريخ تُسيء إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وتنسب إليه ما لا يليق به.

مصادر السيرة النبويّة

إذا عرفنا أهميّة دراسة السيرة وما لحق بها من تشويش وتحريف، كان من الضروريّ جدّاً أن نُكوِّن صورةً واضحةً ونقيّة عن حياة وسيرة رسول الله صلى الله عليه واله وسلموأن نعتمد على مصادر صحيحة، ومعايير وضوابط تكون قادرةً على إعطائنا الصورة الحقيقيّة الأكثر نقاءاً وصفاءاً عن شخصيّة النبيّّ صلى الله عليه واله وسلم، وتكون قادرة أيضاً على تمييز الجانب المُصطنَع والمُزيَّف عن الصحيح وإبعاده عن محيطنا الفكريّ والعمليّ بصورةٍ كاملة، طبق ضوابط ومعايير حقيقيّة.

هناك عدّة مصادر يُمكننا بالاعتماد عليها أن نستخلص معالم شخصيّة النبيّّ صلى الله عليه واله وسلم، وتفاصيل حياته وسيرته وهي

القرآن الكريم
لقد قدّم القرآن الكريم صورةً واضحة ورائعة عن شخصيّة النبيّّ صلى الله عليه واله وسلم وصفاته وخصائصه ومواقفه في كثير من السور والآيات. ويستطيع قارئُ القرآن من خلال التدبُّر التامّ في الآيات التي نزلت في شأنِ رسول الله، أنْ يُحيط بالكثير من جوانب شخصيّته وحياته، مُنذ أن بعثه الله وإلى أن فارق هذه الدنيا.

فقد أشار القرآن مثلاً إلى مكانة النبيّّ (ومنزلته وعظمته) صلى الله عليه واله وسلم، في كلٍّ من سور الحجرات والنور والأحزاب وغيرها، وأشار إلى أسمائه وألقابه صلى الله عليه واله وسلم في سور الصفّ وآل عمران والمائدة، وإلى صفاته وخصائصه صلى الله عليه واله وسلم، كالعصمة والطهارة والرأفة والرحمة والعطف والشجاعة، في كلٍّ من سور آل عمران والتوبة والأحزاب والأنبياء وغيرها، وأشار القرآن إلى أخلاقه وصبره وثباته صلى الله عليه واله وسلم في مواقع التحدّي، وإلى طريقة تبليغه للرسالة، وإلى مواقفه من عدم استجابة قومه لدعوته وغير ذلك ممّا يرتبط بحياته وسيرته، في كثير من الآيات والسور.

فالرجوع إلى نفس القرآن لاستخراج سيرة النبيّّ يُعتبر من أوثق وأصحّ الطرق والمصادر لدراسة السيرة النبويّة الصحيحة.

النصوصُ الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام
التي عرضت سيرة وحياة رسول الله، فإنّ هذه النصوص تُعتبر في الأهميّة بعد القرآن الكريم؛ لأنّ أهل البيت عليهم السلام أدرى بما فيه، وهم الأئمّة المعصومون الذين يحملون العلم الإلهيّ ... وعندهم علم الكتاب وعلم ما كان ويكون بإذن الله تعالى. وليس لأحد- كائناً من كان - أن يُناقش فيما يُنقل بطريق صحيح عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الذي لازم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في جميع مراحل حياته، وكان يتّبعه اتبّاع الفصيل أثرَ أمّه، ويراه في الأوقات التي لا يراه فيها غيرُه.

وقد ورد عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام مئات بل آلاف النصوص والروايات، التي تحدّثت عن حياة رسول الله العامّة والأحداث الكبرى التي عاشها في حياته، وعن سيرته الذاتيّة والخاصّة.

الروايات التاريخيّة المرويّة بالتواتر عن المسلمين الأوّلين
فالنصوص المرويّة عن الأثبات من الصحابة الذين لا يميل بهم هوى عن جادّة الحقّ، والتي تتحدّث عن سيرة النبيّّ صلى الله عليه واله وسلم، تُعتبر من مصادر السيرة والتاريخ إذا ثبتت صحّتها بالتواتر أو بإحدى وسائل الإثبات الأخرى.

ضوابط السيرة الصحيحة

أهمُّ الضوابط والقواعد التي ينبغي اعتمادها في تصحيح السيرة هي:

دراسة أحوال وأوضاع الناقلين للحديث
فإنَّ أوّل ما ينبغي ملاحظته في الحديث المنقول السندُ: وهو عبارةٌ عن مجموع أسماء الأشخاص الذين نقلوا لنا الحديث أو الحدث التاريخيّ، فلا بُدّ من دراسة أحوال وأوضاع هؤلاء الرواة لمعرفة ميولهم وارتباطاتهم السياسيّّة والمصلحيّة، ولمعرفة مدى صدقهم ودقّتهم فيما أخبرونا به، لتحديد مدى امكانيّة الوثوق والاعتماد على نقلهم.

وطبيعيٌّ أنّ من عُرف عنه أنّه يكذب في خبره أو لا يُدقِّق في نقله، لا يُمكن الاعتماد عليه، إلّا بعد أن نتأكد من صحّة ما نقله من مصادر وجهات أخرى. وكذلك من عُرف عنه أنه ينساقُ وراء أهوائه السياسيّّة أو المذهبيّة أو المصلحيّة، لا يُمكن الأخذ بما ينقله لنا؛ لأنّه يكون بذلك قد أخلّ بدرجة الوثوق والاطمئنان.

انسجام مضمون النصّ مع صفات وخصائص الشخصيّة النبويّة ومميّزاتها المثاليّة والرساليّة، عندها يكون مقبولاً ونأخذُ بمضمونه إذا توافرت فيه سائرُ شروط القبول الأخرى. مثلاً: إذا ثبت لدينا بالدليل القطعيّ الصحيح؛ أنّ شخصيّة النبيّّ صلى الله عليه واله وسلم هي في أعلى درجات الطُّهر والعصمة والحكمة والشجاعة، وأنّه يتحلّى بكلّ الصفات النبيلة والفاضلة، جامعاً لكلّ القيم الإنسانيّّة السامية، فلا بُدّ من جعل كلّ ذلك معياراً وميزاناً لأيّ نصٍّ يُروى بشأنه، أو يُريد أن يُسجّل لنا قولاً أو فعلاً أو تقريراً أو موقفاً له صلى الله عليه واله وسلم.

فإذا لم يكن النصُّ منسجماً مع هذه الخصائص والمميّزات الثابتة بالدليل القطعيّ الصحيح فإنّه لا يُمكن قبوله، كما لو نسب النصُّ ـ والعياذ بالله، الرذيلة أو الفجور لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم، أو عبادة الأصنام، أو التصرّفات التي تُعبّر عن جهله أو عدم اتِّزانه، فإنّنا لا نتردّد في رفض مثل هذا النص. كذلك لا نقبل أن تُنسب إلى أحدٍ من أئمّة أهل البيت عليهم السلام تصرُّفات لا تليق بمقامهم الثابت.

عرضُ النصوص على القرآن الكريم
هذه قاعدةٌ لا بُدَّ أن نعتمدها في كلّ الأحاديث المنقولة عن النبيّ صلى الله عليه واله وسلم أو عن أحد أئمّة أهل البيت عليهم السلام سواء أكانت تاريخيّة أم فقهيّة أم أخلاقيّة أم غير ذلك، فما وافق كتاب الله نأخذ به وما خالفه نتركه. فقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "تكثُر لكم الأحاديث بعدي، فإذا رُوي لكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلُوه وما خالفَ فردُّوه" 4. وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "ما لم يُوافق من الحديث القرآنَ فهو زُخرُفٌ"5 .

عدم التناقض والتنافي بين النصوص: فإنّ وجود التناقض فيما بينها يُشير إلى وجود نصّ مجهول، أو تعرّض النصّ لتصرُّفٍ ما أزاله عن وجهته الصحيحة، الأمر الذي يستدعي مزيداً من الانتباه، وبذل المزيد من الجهد لمعرفة الصحيح من المزيَّف منها.

عدم مخالفة النصّ للواقع المحسوس: كما لو ادّعى النصّ: أنّ أقرب طريق من مكّة إلى المدينة يمرّ عبر الأندلس.

عدم مخالفة البديهيّات والضرورات العقليّة الثابتة: ومن ذلك قولهم: إنّ الله عادل وحكيم، ولكنه يُجبر عباده على أفعالهم، ثمّ يُعاقبهم عليها. وقولهم: إنّه تعالى لا يحدّه مكان ولا جهة، ثمّ يقولون إنّ له ساقاً وقدماً وأصابع وما إلى ذلك.

عدم مخالفة الحقائق العلميّة الثابتة بالأدلّة القطعيّة: كالنصّ الذي يقول: إنّ الأرض تقوم على قرن ثور.

عدم التناقض مع الثوابت التاريخيّة القطعيّة: فإذا كان من الثابت أنّ الإسراء والمعراج قد حصلا قبل الهجرة، وثبت أن عائشة انتقلت إلى بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد الهجرة، فلا يُمكن ـ بعد هذا ـ تصديق النصّ الذي يُنقل عن عائشة نفسها من أنّها قالت: ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في تلك الليلة؛ يعني ليلة الإسراء والمعراج.

عدم مخالفة الأحكام العقليّة والفطريّة السليمة: ومن ذلك حكم العقل بوجوب عصمة النبيّ صلى الله عليه واله وسلم والإمام عليه السلام عن الخطأ، فالنصّ الذي يُريد أن ينسب إلى النبيّّ صلى الله عليه واله وسلم والإمام المعصوم عليه السلام خطأً معيّناً، لا نتردّد في رفضه ولا نشكّ في أنّه من الأخبار المصطنعة.

*دروس من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم, سلسلة المعارف الإسلامية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- تفرّدت مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالحثّ على تدوين السنّة الشريفة والاهتمام بحفظها ونشرها، بالرغم من خطر السلطة الحاكمة والضغط الذي كانت تمارسه على الصحابة والتابعين تحت شعار: يكفيكم كتاب الله تعالى، ومن كان عنده شيء غير القرآن فليمحُه!
2- الأحزاب: 21.
3- الحشر: 7.
4-الشيخ الأميني، الغدير، ج8، ص26.
5-الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص69.