عصر الغيبة الصغرى


تمهيد
بدأ هذا العصر بوفاة الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام في الثامن من ربيع الأوّل عام (260هـ)، وتولّي الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف الولاية والإمامة، وانتهى في الخامس عشر من شعبان عام (329هـ) بوفاة "أبي الحسن علي بن محمّد السمريّ" رابع وآخر سفير ونائب خاصّ للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.

ويتضمّن هذا التاريخ أحداثاً وقضايا مهمّة في تاريخ الشيعة سنقف عند أهمّها، وهي:
أوّلاً: الوضع السياسيّ والفكريّ
أـ الوضع السياسيّ: دام هذا الدور سبعين عاماً وتزامن مع حكم ستّة خلفاء عبّاسيّين، من الخليفة الخامس عشر وحتّى العشرين. وكان الوضع خلالها مشابهاً لما سبقه ـ قبل عصر الغيبة ـ حيث غلبة الموالي لا سيّما الأتراك، وانحدار السلطة المركزيّة نحو الضعف والانهيار. ومع كلّ هذا الضعف، لم يتوقّف الخلفاء العبّاسيّون عن ظلم الناس وهضم حقوقهم. وكان الإرهاب سيّد الموقف لا سيّما في عصر المعتضد (279 ـ 289هـ) الّذي كان الأمر في عهده حادّاً والسيف يقطر دماً، على حدّ تعبير الشيخ الطوسيّ1.

وبعد أن نقل المعتصم الخلافة من بغداد إلى سامرّاء عام (220هـ) قام المعتضد العبّاسيّ بإرجاعها إلى بغداد. ومن المشاكل الّتي واجهت العالم الإسلاميّ في عصر الغيبة الصغرى ظهور القرامطة2 وتمرّدهم عام (277هـ) وفتنتهم، وممارستهم للظلم والجور طيلة (30 عاماً)، وهذا ما استدعى ممارسة السلطة العبّاسيّة الظلم ضدّ الشيعة بذريعة انتساب هذه الفرقة إليهم ممّا أدّى إلى تقلّص ثورات العلويّين وتصاعد أجواء الكبت ضدّ الشيعة. ولم يمنع هذا الأمر قيام العديد من الثورات العلويّة. وفي هذا العصر ظهر شخص في شمال أفريقيا مدّعياً أنّه المهديّ الموعود.

وظهرت الدول المستقلّة أيضاً، فقد حكمت العالم الإسلاميّ قبل عصر الغيبة الصغرى أربع دول مستقلّة، وهي: دولة الأغالبة أو آل أغلب في تونس، ودولة الأدارسة في مراكش، والدولة الطولونيّة في مصر والشام، والدولة الأمويّة في قرطبة. واستمرّت هذه الدول في عصر الغيبة الكبرى، وأُضيفت إليها: الدولة الصفّاريّة في خراسان، والدولة السامانيّة فيما وراء النهر والنواحي المركزيّة من إيران، والدولة الفاطميّة في مصر وبلاد المغرب، ودولة آل بويه في طبرستان والريّ وهمدان وأصفهان، ودولة آل حمدان في الموصل وحلب، والدولة الأخشيديّة في مصر والشام3.

وبالتالي انقسم العالم الإسلاميّ في عصر الغيبة الصغرى إلى ثلاثة أنظمة سياسيّة إسلاميّة ترفع لواء الخلافة، وكلّ يدّعي أنّه هو الخليفة والقائد السياسيّ للعالم الإسلاميّ.
الأوّل: الحكومة العبّاسيّة في بغداد.
الثاني: الحكومة الأمويّة في قرطبة والأندلس.
الثالث: الحكومة الفاطميّة في مصر.

ب ـ الوضع الفكريّ: ونكتفي فيه باستعراض نقطتين لبيان الوضع الفكريّ في تلك المرحلة:

1ـ ظهور المنهج الأشعريّ: ظهر في النصف الأوّل من القرن الثاني الهجريّ منهجان فكريّان في العالم الإسلاميّ، ذهب أحدهما إلى إلغاء قيمة العقل والاعتماد على ظواهر الآيات والروايات في فهم المسائل والحقائق، حتّى لو كان ذلك على خلاف حكم العقل، ويُطلق على أتباع هذا المنهج "أهل الحديث". ووقف المنهج الآخر على النقيض منه، فأقام وزناً للعقل وأعطى أهميّة كبرى له، وأطلق على أتباع هذا المنهج "المعتزلة".

وحدثت مواجهات عديدة بين المذهبين في عصر ما قبل الغيبة الصغرى، كان النجاح فيها حليف المعتزلة أحياناً، وحليف أهل الحديث أحياناً أخرى، ويعتمد ذلك إلى حدّ بعيد على مدى دعم جهاز الخلافة له، واستمرّ ذلك إلى النصف الأوّل من القرن الرابع مع ظهور أبي الحسن الأشعريّ، الّذي كان يعتنق مذهب الاعتزال حتّى الأربعين من عمره، ثمّ أعرض عنه وأسّس على أطلال منهج أهل الحديث منهجاً جديدأ هو "المنهج الأشعريّ"، وقد حظي بانتشار واسع بفضل دعم وحماية المقتدر العبّاسيّ (295 ـ 320هـ) على حساب الاعتزال، ومنذ ذلك التاريخ بدأ دور الاعتزال بالذبول والخمول على الساحة الفكريّّة تاركاً وراءه المنهج الأشعريّ يصول ويجول4.

2ـ تدوين المصادر الروائيّة: مُنعت كتابة الحديث في أوائل القرن الأوّل الهجريّ بأمر من الخليفة الثاني إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز (99 ـ 101هـ) الّذي أمر بتدوين وضبط الأحاديث النبويّة وحوادث تاريخ الإسلام. لكنّ هذا الأمر لم يلق رواجاً في ظلّ العصر العبّاسيّ الأوّل لا سيّما في عصر المأمون، واستمرّ الوضع كذلك حتّى عصر الغيبة الصغرى، حيث صنّفت فيه كتب عديدة، منها أربعة كتب من أصل ستّة كتب مهمّة لأهل السنّة عرفت فيما بعد بالصحاح الستّة، والأربعة هي: "سنن ابن ماجه، سنن أبي داوود، سنن الترمذيّ، سنن النسائيّ" إضافة إلى المئات من الكتب مثل: فتوح البلدان ـ أنساب الأشراف ـ الأخبار الطوال، تاريخ اليعقوبيّ، تاريخ الطبريّ، تفسير الطبريّ، الفتوح.

ثانياً: فلسفة الغيبة
هذا المبحث وإن كان من المباحث الكلاميّة والعقائديّّة، الفاقدة لأيّة صبغة تاريخيّة، إلّا أنّ ذلك لا يمنع من الإشارة ولو على نحو الاختصار إلى بعض ما ورد حول فلسفة الغيبة في الروايات، لنستشفّ من ذلك الحكمة المطويّة من وراء غيبة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.

1ـ سرّ من أسرار الله: فقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "يا جابر إنّ هذا الأمر من أمر الله، وسرّ من سرّ الله مطويّ عن عباده"5.
وفي حديث طويل للإمام الصادق عليه السلام، فيه: "... وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره. إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره كما لم تنكشف الحكمة فيما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلى وقت افتراقهما"6.

2ـ امتحان الإنسان الصالح وتمييزه: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "أما والله لأُقتلنّ أنا وابناي هذان، وليبعثنّ الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا، وليغيبنّ عنهم تمييزاً لأهل الضلالة، حتّى يقول الجاهل: ما لله في آل محمّد من حاجة"7.

وقال الإمام الصادق عليه السلام: "وهو المنتظر غير أنّ الله عزَّ وجلَّ يحبُّ أن يمتحن الشيعة"8.
وقال الإمام الكاظم عليه السلام: "يا بنيّ إنّه لا بدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنّما هي محنة من الله عزَّ وجلَّ امتحن بها خلقه"9.

3 ـ ظلم الناس: ورد في بعض الروايات أنّ فلسفة الغيبة هي نتيجة ظلم الناس بعضهم بعضاً، روي عن الإمام عليّ عليه السلام: "واعلموا أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله عزَّ وجلَّ، ولكنّ الله سيعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم"10.

4 ـ الانعتاق من بيعة طواغيت الزمان: وذلك لكي لا يمنع الإمام عليه السلام مانع من الانطلاق بحريّة زمن ظهوره، وأن لا يلتزم بالتقيّة مثل سائر أئمّة أهل البيت عليهم السلام الّذين بايعوا حكّامهم عن تقيّة، ولولا الغيبة ما تيسّر له هذا الأمر. وفي هذا الشأن وردت أحاديث كثيرة عن الأئمّة عليهم السلام، ولكن نكتفي بما ورد في التوقيع الصادر عن الناحية المقدّسة لإسحاق بن يعقوب بواسطة محمّد بن عثمان العمريّ، إذ جاء فيه: "وأمّا علّة ما وقع من الغيبة فإنّ الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، إنّه لم يكن لأحد من أبائي إلّا وقد وضعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي"11.

5ـ الاستعداد العالميّ: يتطلّب ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ باعتباره خاتم الأوصياء ومنجّي البشريّة، وناشر الإسلام في كافّة ربوع العالم ومظهره على الأديان قاطبة ـ أرضيّة عالميّة صالحة، ومن هنا تتأكّد الحاجة إلى تمهيد مقدّمات قبوله في العالم؛ لكي يتحقّق هذا الهدف.وعليه يمكن القول إنّ غياب تلك الأرضيّة في العالم يعدّ من فلسفة غيبة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.

ثالثاً: خصوصيّات عصر الغيبة الصغرى، وهي:
أ ـ زمن الغيبة الصغرى محدود، ولكنّ أمد الغيبة الكبرى لا يعلمه أحد سوى الله تعالى.
ب ـ لم يكن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف متوارياً عن الأنظار بصورة عامّة في عصر الغيبة الصغرى.
ج ـ كان للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف أربعة وكلاء في عصر الغيبة الصغرى.
د ـ قد يتيسّر لبعض الأشخاص رؤية الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ومعرفته في عصر الغيبة الصغرى، ولكن قد لا يراه أحد في عصر الغيبة الكبرى، وقد يراه ولكن لا يعرفه.
وإذا كان بعض الخواصّ قد شاهده وعرفه فلا يحقّ له إشاعة ذلك، إلّا بإذن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف.

رابعاً: نصب النوّاب الأربعة
عيّن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في عصر الغيبة الصغرى أربعة نوّاب للشيعة، كانوا على جانب كبير من التقوى والورع، وهم:
أبو عمرو، عثمان بن سعيد العمريّ (استمرّت نيابته إلى سنة 265هـ).
أبو جعفر، محمّد بن عثمان بن سعيد العمريّ (توفّي سنة 305هـ).
أبو القاسم، الحسين بن روح النوبختيّ. (استمرّت نيابته إلى عام 326هـ، أي لمدّة 21 سنة).
أبو الحسن، عليّ بن محمّد السمريّ (من عام 326هـ إلى عام 329هـ).
وقبل وفاة السمريّ بستّة أيّام صدر آخر توقيع من الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف أعلن فيه انقطاع السفارة بوفاة السمريّ، وانتهاء أمد الغيبة الصغرى وبدء عصر الغيبة الكبرى.

خامساً: معيار تنصيب النوّاب الأربعة
عيّن الأئمّة عليهم السلام ـ كما تقدّم ـ العديد من الوكلاء، وقد ازداد عددهم في زمن الإمام العسكريّ عليه السلام حتّى بلغ العشرات. والسؤال المطروح هو كيف اقتصر الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف من كلّ هذا الجمع الغفير من الوكلاء على أربعة نوّاب في عصر الغيبة الصغرى؟ وللإجابة عن هذا السؤال ينبغي القول إنّ سفراء الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف إضافة إلى حيازتهم للشروط العامّة، نظير: الإيمان ـ التقوى ـ الدراية، لا بدّ من تمتّعهم بشروط خاصّة وهي:
أ ـ التزام الحذر وممارسة التقيّة: وذلك بسبب الظروف المحيطة بهم وتعقيدها. وقد تجلّى ذلك في مسلك الحسين بن روح على نحو بدا فيه أنّ علماء المذاهب الأخرى كانوا ينسبونه إليهم. وقد بلغ به الحال
في رعاية التقيّة أنّ بوّاباً له كان قد لعن معاوية وشتمه، فأمر بطرده وصرفه عن خدمته12. وفي بعض المجالس كان يُثني على الخلفاء الراشدين. وكان السفير الأوّل عثمان بن سعيد يتجنّب عمّال الجهاز العبّاسيّ رعاية للتقيّة، ولأجل ذلك لم يدخل معهم في جدال، أو نقاش دينيّ، أو سياسيّ...

ب ـ الصبر والمقاومة: لم يدّخر الأعداء وسعهم في تتبّع نقاط الضعف لدى سفير الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أو نائبه من أجل الظفر بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، لذا كان يجب على السفير أن يكون أشدّ الناس صبراً ومقاومة.

قيل لأبي سهل النوبختيّ: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: "هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجّة على مكانه، لعلّي كنت أدلّ على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجّة تحت ذيله، وقرّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه"13.

ج ـ السفراء أكثر فهماً وعقلاً ودراية من الآخرين: نقل الشيخ الطوسيّ في كتابه "الغيبة" رواية تدلّ على دراية نوّاب الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف14.

د ـ كان الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ينتخب نوّابه من الأشخاص الّذين لا يشعر الجهاز العبّاسيّ تجاههم بخطر: لأنّ الوكالة أمرٌ سرّيّ ومهمّ للغاية، فمثلاً: كان "أبو عمرو عثمان بن سعيد العمريّ" الملقّب بالزيّات أو السمّان يدير أمور الوكالة تحت غطاء بيع السمن، ولم يدُر في خَلد الحكومة أنّه سفير للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وكان السفير الثاني "أبو جعفر محمّد بن عثمان" كأبيه بائعاً للسمن والزيت، وكان السفير الثالث من آل نوبخت الّذين يتمتّعون بنفوذ في البلاط، الأمر الّذي يسّر له إدارة أمور الوكالة دون أن يثير أيّة شكوك حول علاقته بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.

سادساً: كيفيّة اتّصال النوّاب الأربعة بالشيعة
كان للشيعة أسلوبان للاتّصال بالنوّاب الأربعة، وهما:
أـ الاتّصال غير المباشر: وهو الأصل في عمل جهاز الوكالة الّذي لم يكن قادراً على إعلان نشاطه بسبب جور العبّاسيّين، الأمر الّذي اضطرهم إلى اتّباع أساليب خفيّة يمثّل فيها الوكلاء حلقة الوصل بين الأئمّة عليهم السلاموبين الناس فيستقبلون مسائلهم ومشاكلهم ويقبضون منهم الحقوق الشرعيّة. وكان النوّاب ينقلون كلّ ذلك إلى الإمام عليه السلام ويتسلّمون منه الأجوبة، فكان السفير بمنزلة رأس الهرم، والوكلاء والخواصّ جسم الهرم، والناس قاعدته. وهذا النوع من الاتّصال شاع في بغداد، ثمّ انتقل إلى بقيّة المناطق. مثلاً كان لأبي جعفر محمّد بن عثمان عشرة وكلاء في بغداد.

ب - الاتّصال المباشر: كان هذا الاتّصال مفقوداً في بداية نشاط النوّاب الأربعة في عصر الغيبة الصغرى؛ لأنّ الهدف كان أن تبقى مسألة النيابة الخاصّة طيّ الكتمان والخفاء، وقد علم الشيعة باسم السفير عن طريق الوكلاء والخواصّ، الأمر الّذي مكّنهم من الاتّصال به مباشرة، وقد بدأ كلّ ذلك في عهد السفير الثاني.

وكانت الإجابات في هذا النوع من الاتّصال تصدر كتابة أحياناً، أو شفويّة أحياناً أخرى.

سابعاً: وظائف النوّاب الأربعة ومسؤوليّاتهم

إنّ المحاور العامّة الّتي تندرج تحتها نشاطات النوّاب الأربعة، هي كالتالي:
أ ـ رفع الشكّ والحيرة عن الناس بشأن وجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ب ـ الحفاظ على الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف من خلال إخفاء اسمه ومكانه.
ج ـ الإجابة عن المعضلات الفقهيّة والعقائديّّة.
د ـ تسلّم أموال صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وتوزيعها.
هـ ـ مجابهة الغلاة ومدّعي الوكالة والنيابة كذباً، وفضح ادّعاءاتهم الباطلة.
و ـ مواجهة الوكلاء الخونة.
ز ـ إعداد الناس لقبول الغيبة الكبرى.

ثامناً: الوكلاء في عصر الغيبة الصغرى
كان ثمّة وكلاء آخرون للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى جانب النوّاب الأربعة ـ في نقاط مختلفة من العالم الإسلامي ّـ وكانت وظائفهم تشبه وظائف وكلاء الأئمّة عليهم السلامإلاّ أنّهم كانوا يرجعون إلى النوّاب الأربعة لتعيين حدودها. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على ضرورة وجود وكلاء كمعاونين للنوّاب الأربعة في عصر الغيبة الصغرى، خصوصاً إذا ما عرفنا وجود عدد من الوكلاء في بغداد (محلّ إقامة النواب الأربعة).

وكتب الشيخ الطوسيّ عن هؤلاء الوكلاء، يقول: "كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات، ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل"15.
ثمّ ذكر أسماء عدد منهم، ومنهم: محمّد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازيّ الّذي عيّنه الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف كوكيل عنه محلّ أبيه، وجاء في كتاب الإمام إليه: "قد أقمناك مقام أبيك"16 ، وأبو الحسين محمّد بن جعفر الأسديّ الكوفيّ الرازيّ، أبو عبد الله ابن هارون بن عمران الهمدانيّ، أبو إسحاق محمّد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازيّ وغيرهم.

وإلى جانب ذلك شهد جهاز الوكالة ظهور انحرافات لدوافع مختلفة، فظهرت انحرافات من قبل بعض من كان وكيلاً منصوباً من قبل الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف حيث سقط في الفساد والخيانة، وبعضٌ آخر ادّعى البابيّة والنيابة عن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف كذباً وافتراءً، فالتفّ حوله رهط من الناس ثمّ بان أمره، وافتضح.

ومن الوكلاء الخونة: أبو جعفر محمّد بن علي الشلمغانيّ، عروة بن يحيى، هشام بن إبراهيم العبّاسيّ الهمدانيّ...

ومن المدّعين للنيابة زوراً: أبو عبد الله أحمد بن محمّد السياريّ، والحسن بن محمّد بن بابا القمّي، أبو محمّد الشريعيّ، محمّد بن نصير النميريّ الفهريّ، الحسين بن منصور الحلّاج.

الخلاصة
- تزامن عصر الغيبة الصغرى مع خلافة ستّة خلفاء عبّاسيّين، وكان الوضع السياسيّ وخصوصيّاته آنذاك امتداداً لعصر ما قبل الغيبة، لناحية سيطرة الأتراك، وتدهور وضع الحكومة المركزية.
- انتقلت الخلافة في هذا الدور من سامرّاء إلى بغداد، ونشبت حروب وفتن كثيرة، وتشكّلت حكومات مستقلّة.

- تبلور المذهب الأشعريّ في تلك المرحلة، وتغلّب على المذهب المعتزليّ.
- كان للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف أربعة سفراء في عصر الغيبة الصغرى، عرفوا بـ"النواب الأربعة".

- كان ثمّة أسلوبان لاتّصال السفراء بالشيعة: بواسطة الوكيل أو بلا واسطة، أمّا الأصل في جهاز الوكالة فهو الاتّصال مع الواسطة.
- المهامّ الملقاة على عاتق النواب الأربعة هي: رفع شك وحيرة الناس إزاء وجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ الحفاظ على الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف من خلال كتمان اسمه ومكانه ـ الإجابة عن الاستفسارات الفقهية والشبهات العقائديّة ـ إعداد الناس لقبول الغيبة الكبرى.

- إلى جانب النوّاب الأربعة كان هناك العديد من الوكلاء للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف في مختلف المناطق، وادّعى بعض الناس الوكالة زوراً وافتراءً.

* بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت عليهم السلام، سلسلة المعارف الإسلامية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- الغيبة، الطوسي، م.س: 179.
2- القرامطة من فرق الإسماعيليّة.
3- راجع تاريخ الإسلام، د. حسن إبراهيم، م.س: الجزء الثالث.
4- لمزيدٍ من الإطلاع على المذهب الأشعريّ راجع: بحوث في الملل والنحل للشيخ جعفر السبحاني، الجزء الثالث.
5- بحار الأنوار، م.س: 51/73.
6- كمال الدين، م.س: 2/482.
7- بحار الأنوار، م.س: 51/133.
8- أصول الكافي، م.س: 1/337.
9- الغيبة، الطوسي، م.س: 204.
10- الغيبة، النعماني: 141.
11- الاحتجاج، الطبرسي، م.س: 2/471.
12- الغيبة، الطوسي، م.س: 237.
13- م.ن: 240.
14- م.ن: 236.
15- الغيبة، الطوسي، م.س: 257.
16- تنقيح المقال، م.س: 1/218.