الموطئون والانصار


ونحن، في ما يلي، نستعرض طائفتين من النصوص تختصّ‏ُ أولاهما ب"الإعداد" و"التوطئة" والأخرى ب"الأنصار" لنتأمل فيهما إن شاء الله.
والطائفة الأولى من النصوص هي النصوص المتعلقة ب"الموطِّئين"، وهم الجيل الذي يُعدُّ الأرض والمجتمع لظهور الإمام‏ عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وثورته الكونية الشاملة. وهذا الجيل بطبيعته
يسبق ظهور الإمام عليه السلام، والطائفة الثانية من النصوص تخص "الأنصار"، وهم الجيل الذي ينهض بهم الإمام عليه السلام. ويقود بهم الثورة على الظالمين. إذن نحن بين يديّ جيلين:
1- جيل "الموطِّئين" الذي يمهِّدون الأرض لظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف .
2- جيل "الأنصار" الذي ينهض بهم الإمام عليه السلام، ويثور بهم على الظالمين. وفي ما يلي نستعرض، إن شاء الله، هاتين الطائفتين من النصوص.

جيل "الموطِّئين" في النصوص الإسلامية:
تضافرت طائفة من النصوص الإسلامية، من الفريقين (الشيعة والسنّة) عن جيل الموطئِّين الذين يوطئون الأرض لدولة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف د حددت هذه النصوص عدداً من
الأقاليم الإسلامية المعروفة لهذا الجيل، وأهم هذه الأقاليم التي تخص جيل الموطِّئين هي: المشرق وخراسان (ويظهر أن المشرق هو خراسان) وقم، وري، واليمن، وفي ما يلي النصوص التي تخص جيل
الموطِّئين في هذه الأقاليم:

1- الموطئون في المشرق:
روى الحاكم، في مستدرك الصحيحين، عن عبد الله بن مسعود، قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج إلينا مستبشراً يُعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شي‏ء إلا أخبرنا به ولا سكتنا
إلا ابتدأنا حتى مرَّ فتيةُ من بني هاشم منهم الحسن والحسين عليه السلام، فلما راهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنا أهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد حتى ترتفع رايات سودٌ في المشرق، فيسألون الحق لا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون. فمن أدركه منكم ومن أعقابكم فليأت إمام أهل بيتي، ولو حبواً على الثلج فإنها رايات هدى، يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي"1.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه ثم يطلبونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما شاءوا فلا يقبلونه حتى يقوموا ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم (أي الإمام المهدي عليه السلام) قتلاهم شهداء"2.

2- الموطئون من خراسان:
عن محمد بن الحنفية، والرواية موضوعة، ولكن يبدو أنها عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "ثم تخرج راية من خراسان يهزمون أصحاب السفياني حتى تنزل ببيت المقدس توطئ
للمهدي سلطانه"3.

3- الموطئون من "قم" و"ري":
روى المجلسي في بحار الأنوار: "رجل من قم يدعو الناس إلى الحق يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد، لا تزّلهم الرياح العواصف، لا يملّون من الحرب ولا يجبنون وعلى الله يتوكلون والعاقبة للمتقين"4.

4- الموطئون من اليمن:
عن الإمام الباقر عليه السلام في قيادة اليماني قبل ظهور الإمام: "وليس في الرايات أهدى من راية اليماني، هي راية هدى لأنه يدعو إلى صاحبكم"5.

الدلالات:
1- الجيل الصلب:
وأوَّل ما يلفت النظر في هذا الجيل هو الصلابة والقوة والإستحكام، فهو جيل صعب، شديد المراس، يوطئ الأرض لظهور الإمام، ويواجه وحده طواغيت الأرض. والإمام الصادق عليه السلام يفسر، كما
في رواية محمد بن يعقوب الكليني قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾6 بهذا الجيل، وتصفهم الرواية بهذا الوصف العجيب: قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلهم الرياح
العواصف، إنها قلوب ومن طبيعة القلوب اللين والرقة، ولكّن هذه القلوب تتحول في مواجهة الطغاة والعتاة إلى زبر من الحديد لا تلين ولا ترق. إن الصَّلابة والقوة من خصائص الأجيال التي يحمّلها الله
تعالى مسؤولية التغيير، والثورة، ومن خصائص الأجيال التي يضعها الله تعالى في منعطفات التاريخ الكبرى لنقل الناس من مرحلة إلى مرحلة، وهذا الجيل يحمل هذه الخصائص.

2- جيل التحدي والتمرُّد:
ومهمة هذا الجيل هي تحدِّي "النظام العالمي" والتمرُّد عليه، وما أدراك ما النظام العالمي وكيف صمّم على خدمة القوى الكبرى ومن دار في فلكها والإحتفاظ بمراكز القوة والمواقع الإستراتيجية لها في
مختلف مناطق الأرض. إنّها مسؤولية شاقة وعسيرة ودقيقة يتعهد بها هذا النظام على مستوى العالم كلّه، وليس على مستوى منطقة أو إقليم من الأرض فحسب.

إن هذا النظام يتكون من مجموعة من المعادلات والموازنات السياسية والإقتصادية والعسكرية والإعلامية الدقيقة، ومن أنظمة أعضاء الأسرة الدولية ومن مجموعة من الخطوط الحمراء والخضراء
والصفراء فيما بين هذه الأنظمة وهذه المجموعة من الإتفاقات والتنازلات وتنظيم الأدوار واقتسام الموارد والأسواق ومصادر الثروة ومناطق النفوذ، أقول: إنّ هذه المجموعة المعقدة تمكّن القوى الكبرى
من السيطرة على الوضع العالمي، وهؤلاء الشباب من جيل الموطئِّين يخترقون ببساطة ومن دون تردد هذه الخطوط الحمراء، ويغيّرون هذه المعادلات والموازنات التي يتفاهم عليها الجميع ويتلقونها بالقبول
والإحترام، ويفسدون على هذه الأنظمة والمؤسسات الدولية استقرارها وتوازنها وهيبتها الدولية. ولا سبيل لها على هؤلاء الشباب، ولا تستطيع أن تتحملهم ولا تتمكن من أن تدفعهم. فإن أكثر قوة هذه
الأنظمة وهيبتها الدولية في مواجهة الأنظمة ومؤسسات من مثلها، وأقوى ما تملك من السلاح هو القتل والسجن والتعذيب والمطاردة.

وهؤلاء لا يخافون شيئاً من ذلك ولا يرهبهم شي‏ء من ذلك.
والوصف الموجود في الرواية دقيق، في وصف هذا الجيل: "لا تزلهم الرياح العواصف، لا يملّون من الحرب ولا يجبنون وعلى الله يتوكلون والعاقبة للمتقين". إن الذي لا يجبن لا يمل الحرب ولا تزله
الرياح العواصف بطبيعة الحال، وقوة هؤلاء وميزتهم أنهم لا يجبنون، وهذه هي مشكلتهم في حساب الأنظمة والقوى الكبرى.

في موسم الإنتخابات العامة للرئاسة الأمريكية، في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق، جرى حوار تلفزيوني ضمن النشاط الإعلامي الذي يقوم به عادة المرشحون للرئاسة الأمريكية، بين الرئيس الأمريكي
الأسبق كارتر والمرشح الاخر المنافس له على الرئاسة، فقال له هذا الأخير: إنّ‏َ أمريكا خسرت الكثير من هيبتها الدولية في حادث تفجير مقر القوات البحرية الأمريكية في بيروت (المارينز( وتتحمل أنت
مخاطباً الرئيس الأمريكي مباشرة مسؤولية هذه الخسارة بالكامل، فقال له الرئيس الأمريكي بالحرف الواحد: وماذا تراني قادراً أن أفعل في مواجهة إنسان جاء هو ليطلب الموت!؟ إن أقصى ما نتمكن منه
هو أن نردع الناس بالرعب والإرهاب من أمثال ذلك، فإذا كان الذي يقوم على هذا التفجير هو من يطلب الموت ويلقي بنفسه على الموت فماذا تراني قادراً أن أفعل في ردعه؟ وماذا كنت تفعل أنت لو كنت
في مثل موقعي في هذا الظرف!؟.

هذه هي بعض ملامح جيل التحدي الذي برز في مواجهة الأنظمة والقوى الكبرى.

3- ردود الفعل العالمية:
وردود الفعل العالمية تجاه هذا الجيل، كما تصرح به هذه النصوص، ردود فعل غاضبة وساخطة، لأن هذا الجيل يعرّض هذه المعادلات والموازنات لهزات عنيفة وحقيقية، ولذلك فإن ردود الفعل العالمية
تجاهه تتسم بالغضب والسخط دائماً.

روي عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق عليه السلام: "إذا ظهرت راية الحق لعنها أهل الشرق وأهل الغرب. أتدري لم ذلك؟ قلت: لا. قال: للذي يلقى الناس من أهل بيته قبل ظهوره"7.
وأهل بيته قبل ظهوره، عادة، هم الموطئون الذين يثيرون المتاعب لهذه الأنظمة والمؤسسات ويسلبون استقرارها وراحتها.

وروى ثقة الإسلام الكليني في الكافي (كتاب الروضة) في تفسير قوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم فلا يدعون
واتراً لال محمد، إلاّ قتلوه".

وردود الأفعال العالمية، المذكورة في هذه النصوص، تشبه إلى حد كبير ردود الأفعال العالمية اليوم تجاه الصحوة الإسلامية التي يسمونها ب"الأصولية الإسلامية" وينعتونها بالإرهاب وبأقسى النعوت.

مشروع التوطئة:
توطئة الأرض لثورة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف مهمة واسعة وكبيرة، ومعقدة ينهض بها هذا الجيل في مواجهة عتاة الأرض وطغاتها المستكبرين وأئمة الكفر.. وهؤلاء العتاة يعدّون جميعاً جبهة سياسية عريضة، رغم كلّ التناقضات القائمة في ما بينهم، وهي جبهة تملك الكثير من أسباب القوة من المال والسلطان السياسي والجيش والإعلام والعلاقات والنظم، وتستخدم جميع هذه الأسباب في ضرب الصحوة الإسلامية الناشئة وإجهاضها. ولا بد لهذا الجيل الذي ينهض بمشروع إعداد الأرض لظهور الإمام من أن يواجه هذه القوة بالالية نفسها التي تستخدمها جبهة الإستكبار العالمية وتزيد عليها
بالتربية الإيمانية والجهادية والتوعية السياسية. وعليه فإنّ مشروع التوطئة الذي ينهض به جيل الموطئين يتكون من بُعدين:
البعد الأول: التربية الإيمانية والجهادية والتوعية السياسية، وهذا ما تفقده الجبهة المقابلة.
البعد الثاني: الالية السياسية والعسكرية والإقتصادية والإدارية والإعلامية التي لا بد منها في مثل هذه المعركة.

وليس من شك في أن الفئة المؤمنة التي تعدُّ الأرض لظهور الإمام لا بدّ لها من إعداد هذه القوة، وإن كانت لا تستطيع أن تكافئ الجبهة العالمية المضادة.
ولا بدُّ ليقرب ظهور الإمام من تحقيق هذه القوة على وجه الأرض، ومن دون ذلك لا تتهيأ الأسباب الطبيعية لظهور الإمام.. والإعداد لهذه القوة يحتاج إلى عمل وحركة في واقع الحياة ولا يغني "الرصد"
و"الإنتظار" عنها شيئاً.

جيل الأنصار في الروايات الإسلامية:
جيل الموطئين يسبق جيل الأنصار، وأفراد هذا الجيل هم تلامذة الجيل الذي يسبقهم، ويتميزون منه بمزايا وقيم يتفردُّون بها. ونحن سوف نستعرض النصوص الواردة في نموذج واحد فقط من هذا الجيل،
وهو شاب "الطالقان"، هذه الروايات وردت بأسانيد الفريقين: السنة والشيعة وطرقهم.

شباب الطالقان:
وسوف نستعرض الروايات التي رواها المحدثون، من السنّة والشيعة، والمتعلقة بـ"شباب الطالقان".
روى المتقي الهندي في "كنز العمال" والسيوطي في "الحاوي" في أنصار الإمام من "الطالقان": "ويحاً للطالقان، فإن لله عز وجل بها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجال عرفوا الله حق
معرفته وهم أنصار المهدي"8.

وفي "ينابيع المودة" للقندوزي: "بخٍ بخٍ للطالقان"9.
روى المجلسي في بحار الأنوار: "له كنز بالطالقان ما هو بذهب ولا فضة، وراية لم تنشر مُذ طويت، ورجال كأن قلوبهم زبر الحديد لا يشوبها شكُ في ذات الله أشدُّ من الجمر، ولو حُملوا على الجبال
لأزالوها. لا يقصدون براياتهم بلدة إلا خرّبوها كأن على خيولهم العقبان، يتمسحون بسرج الإمام يطلبون بذلك البركة، ويحفون به ويقونه بأنفسهم في الحروب. يبيتون قياماً على أطرافهم ويصبحون على
خيولهم. رُهبان بالليل ليوث بالنهار. هم أطوع من الأمة لسيدها، كالمصابيح كأّن في قلوبهم القناديل وهم من خشيته مشفقون. يدعون بالشهادة ويتمنون أن يقتلوا في سبيل الله. شعارهم: يا لثارات الحسين،
إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر يمشون إلى المولى إرسالاً، بهم ينصر الله إمام الحق"10.

أصحاب الإمام شباب:
والروايات تشير إلى أن الغالب من أصحاب الإمام من الشباب ولا يوجد فيهم من الكهول والشيوخ إلا نادراً.
روى المجلسي في البحار: "أصحاب المهدي شباب لا كهول فيهم إلا كمثل كحل العين"11.

عدد قادة أنصار الإمام:
روى المجلسي في بحار الأنوار: "فيجمع الله عليه أصحابه، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ويجمعهم عليه على غير ميعاد فيبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم قد توارثته الأنباء عن الاباء"12.

وفي أغلب الروايات أن هذا العدد الذي يبايع الإمام، بين الركن والمقام، هو عدد قادة جيش الإمام.

الدلالات والتأملات:
ولا بد من أن نشير، قبل أن ندخل في التأملات والدلالات، إلى أنّ‏َ اللغة المألوفة وقت صدورها لغة رمزية، فالسيوف هي الأسلحة، والخيول هي مراكب القتال، كما أن الوصف ب"رهبان بالليل ليوث
بالنهار" تعبير رمزي ومجازي من العبادة والتهجد في الليل والشجاعة والجرأة في النهار.

وهذه لغة معروفة لمن يألف طريقة التعبير في النصوص والروايات الإسلامية، والان نبدأ بالحديث عن الدلالات والتأملات في هذه الروايات.

كنوز ليست من ذهب ولا فضة:
1- أنصار الإمام كنوز:
والكنز هو الثروة المخبوءة يجهل الناس مكانها، وقد يكون الكنز في بيت الإنسان وتحت قدميه أو في أرضٍ مجاورة لبيته أو في مدينته، ولكنه يجهله وأنصار الإمام كنوز مخبأة، قد يكون أحدهم في بيت
أحدنا أو بجواره أو في مدينته، وهو لا يعرفه وقد يزدريه، وتحتقره عيون الناس التي لا تعرف أن تنفذ إلى الأعماق لتعرف الكنوز، إنّ هذه البصيرة واليقين والإقبال على الله والشجاعة والجرأة والذوبان
في ذات الله التي يتصف بها هؤلاء لا تتكون دفعةً بل كانت موجودة في نفوس هؤلاء الشباب إلا أنها كانت خافية عن أعين الناس، كما تختفي الكنوز عن العيون.

2- القوة والوعي:
يقول تعالى، في صفة عباده الصالحين إبراهيم وإسحاق ويعقوب، عليه السلام: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ
الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾13. وهذا من أروع الوصف.

فإنه لا بد للبصيرة من قوة، ومن دون القوة تضيع البصيرة وتخمد ولا يحمل البصيرة إلا المؤمن القوي فإذا ضعف فقد البصيرة، ولا بدّ للقوة من بصيرة، فإن القوة من دون بصيرة تتحول إلى لجاج وعناد
واستكبار، ويصف الله تعالى إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليه السلام بأنهم أولي "الأيدي" و"الأبصار" أي القوة والبصيرة. وتشير النصوص التي قرأنا طائفة منها قريباً أن أنصار المهدي عجل الله تعالى
فرجه الشريف أولو الأيدي والأبصار.

3- الوعي والبصيرة:
وتعبير الرواية عن حالة الوعي والبصيرة، لدى أنصار الإمام، تعبير عجيب "كالمصابيح كأن في قلوبهم القناديل"، وهل يمكن أن يخترق الظلام القنديل؟ قد يحاصر الظلام القناديل ولكنَّه لا يستطيع أن
يخترقها.

وأنصار الإمام لا ينفذ إلى نفوسهم ووعيهم الشكُ والريب، مهما تكاثفت ظلماتهما ومهما تعاقبت الفتن. لذلك لا يدخلهم الشك ولا يترددون ولا يتراجعون ولا ينظرون وراءهم إذا مضوا في الطريق، والتعبير
في الرواية: "لا يشوبها شك في ذات الله" هو أمر غير الشك، إنَّه خليط من الشك واليقين، أو لحظات من الشك تخترق حالات اليقين ولا تثبت لليقين الذي يهزمها، وهذا أمرٌ يحصل للكثير من المؤمنين، إلا
أنّ‏َ أنصار الإمام لا يشوب يقينهم شك، يقين خالص من دون شائبة من الشك والريب.

4- عزم نافذ:
وهذه البصيرة تمنحهم عزماً نافذاً لا تردد ولا تراجع فيه، والتعبير عن هذا العزم ب"الجمر" تعبير رائع ومعبر، فإن الجمر ينفذ ويخترق ما دام ملتهباً، والتعبير هكذا "أشد من الجمر" هو أروع تعبير أعرفه
عن نفوذ العزم، ولست أدري ما أودع الله تعالى في نفوس شباب الطالقان من كنوز الوعي واليقين والعزم والقوة فإن التعبيرات الواردة في هذا النصّ تعابير غير مألوفة كأنّ‏َ الحديث عنهم حديث وجد وهيام
"زبر الحديد كالمصابيح، كأن في قلوبهم القناديل، أشد من الجمر، رهبان بالليل ليوث بالنهار" وكأن النص يستفرغ كلّ‏َ ما في وسع اللغة لتتمكن من التعبير عن وعي هؤلاء الشباب وبصيرتهم وقوتهم ونفوذ
عزمهم.

5- القوة:
ويصف النص شباب الطالقان بقوة هائلة لا عهد لنا بها في من نعرف من الشباب تأملوا هذه العبارة: "كأنّ‏َ قلوبهم زبر الحديد".
أرأيت أحداً يتمكن من أن يصهر أو يكسر أو يلين زبر الحديد بقبضة يده؟ "لو حملوا على الجبال لأزالوها، لا يقصدون، براياتهم بلدة إلاّ خربوها كأنّ‏َ على خيولهم العقبان".
هذه تعابير عجيبة تنبئ عن قوة هائلة، وهذه القوة ليست من نوع القوة التي يملكها طواغيت الأرض، وإنما هي قوة عزم وإرادة وقوة يقين.

6- الإستماتة وحب الشهادة:
"يدعون بالشهادة ويتمنون أن يقتلوا في سبيل الله". إن الموت الذي يرعب الشيوخ في التسعينات، وبعد المائة من أعمارهم، وقد فقدوا جميع لذات الحياة وشهواتها.. أقول إن الموت الذي يرعب الشيوخ يهيم
به هؤلاء الشباب وهم في غضاضة العمر، وحبّ الشهادة ينبع من أمرين وينتج أمرين في حياة الناس.

أما الأمران اللذان هما مصدر حبّ الشهادة في النفس فهما الإعراض عن الدنيا والإقبال على الله، فإذا كافح الإنسان حبّ‏َ الدنيا في قلبه وأزال منه التعلّق والإغترار بها فقد قطع الشوط الأول من الطريق
وهو أشقّ‏ُ الشوطين. والشوط الاخر هو أن يتعلق القلب بحبّ الله تعالى ويهيم بذكره وحبّه، وينصرف صاحبه إلى الله تعالى بكل قلبه ووجهه، وهؤلاء لا يهمهم من أمر الدنيا شي‏ء يعيشون مع الاخرين في
الدنيا ويحضرون معهم الأسواق والإجتماعات غير أنهم غائبون عنها بقلوبهم، ويصدق فيهم الحاضر الغائب.هؤلاء المستميتون الذين يُحبّون الموت الذي يخيف الناس ويدعون بالشهادة ويجدون فيها لقاء
الله ويشتاقون إليها كما يشتاق الناس إلى لذاتهم في الدنيا أو أعظم من شوق الناس إلى لذاتهم من الدنيا.

وقليل من الناس من يفهم هؤلاء، أما الناس في الغرب فلا سبيل لهم إلى أن يفهموهم..فهم يصفونهم حيناً بالإنتحاريين، والمنتحر هو الذي يملّ‏ُ الدنيا وينتهي فيها إلى طريق مسدود، وهؤلاء الشباب يجدون
أبواب الدنيا أمامهم مفتوحة، تضحك لهم الدنيا وتظلل عليهم بكل بهجتها وزينتها وإغرائها. فلم يملوا الدنيا ولم يصلوا فيها إلى طريق مسدود، وإنما أعرضوا عنها، لأنهم اشتاقوا إلى لقاء الله، ويصفونهم
بالإرهاب، وهؤلاء ليسوا بإرهابيين ولو قالوا إنهم لا يخافون الإرهاب لكانوا أقرب إلى الواقع. وهذان هما مصدر حب الشهادة والقتل في سبيل الله. أما الذي ينتج عن حب الشهادة فهو العزم والقوة، إن
المستميت الذي تمكن من أن يحرر نفسه من الدنيا يجد في نفسه من العزم والقوة ما لا يجده سائر الناس. وهذان، أي العزم والقوة، لا علاقة لهما بما في أيدي الناس من الجبهة الأخرى من أسباب القوة
المادية، من دون أن ننفي ضرورة تلك الأسباب وأهميتها في ظهور الإمام وقرب الفرج.

7- تعادل الشخصية:
"ليوث بالليل رهبان بالنهار". من أبرز معالم هذا الجيل التعادل في الشخصية، وهذا سر قوتهم ونفوذهم، تعادل بين الدنيا والاخرة، وتعادل بين القوة والبصيرة. والله تعالى يحب هذه الموازنة والتعادل،
ويكره الإفراط والتفريط والجنوح إلى اليمين واليسار. يقول تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾14. ويقول تعالى في ما يعلمنا من الدعاء: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَة﴾15. ويقول تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾16.

ومن هذه الموازنة التعادل بين الخشوع والعبودية لله والتذلل للمؤمنين والصرامة والقوة مع الكافرين ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾17، ومن هذه الموازنة التعادل بين الإتّكال على الله والجهد
والعمل والتخطيط. ويصف أمير المؤمنين عليه السلام لهمَّام عجل الله تعالى فرجه الشريف، كما في رواية الشريف الرضي، أطرافاً من هذه الموازنة والتعادل في شخصية "المتقين"، فيقول: "فمن علامة
أحدهم أنك ترى له قوة في دين وحزماً في لين وعلماً في حلم وقصداً في غنى وتجملاً في فاقة وصبراً في شدة. يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، ويبيت حذراً ويصبح فرحاً، يمزج الحلم بالعلم والقول
بالعمل، في الزلازل وقور وفي الرخاء شكور، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة"18. وهذه الموازنة من الملامح الواضحة في شخصية أنصار الإمام.

8- رهبان بالليل ليوث بالنهار:
وإلى هذه الموازنة تشير الرواية "رهبان بالليل وليوث بالنهار". ولليل والنهار دوران مختلفان في بناء شخصية الإنسان. ولكّن هذين الدورين متكاملان يكمّل أحدهما الاخر ولا بد منهما معاً في بناء شخصية الإنسان المؤمن الداعية والمجاهد، فلولا قيام الليل لم يثبت الإنسان في مواجهة العقبات الصعبة في النهار ولم يتمكن من مواصلة الحركة على طريق ذات الشوكة في النهار. ولولا حركة النهار لعزل الليل صاحبه من القيام برسالة الدعوة إلى الله في وسط المجتمع، وفقد الإنسان دوره الثاني في الحياة الدنيا بعد عبودية الله، وهو الدعوة إلى عبودية الله.

وفي القران تأكيد على دور الليل في إعداد الإنسان للدعوة إلى الله والإهتمام به. ومن أوائل ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في بدء الدعوة والوحي، سورة المزمل المباركة التي يدعو
الله تعالى فيها نبيه إلى أن يعد نفسه في الليل إعداداً لتحمل القول الثقيل في النهار. يقول تعالى مخاطباً نبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ً * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾19. والتعبير عن الليل بالناشئة دقيق ومعبر، فإنه ينشى‏ء الإنسان الذي يقيمه إنشاءً ويصنعه صنعاً للأعمال الصعبة ويوطى‏ء شخصيته ويعدها إعداداً للمهام الكبيرة ويقوّم سلوكه. وقوله "قيلاً" يعني تقويماً: "إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً".

وفي خطبة المتقين يصف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لهمَّام عجل الله تعالى فرجه الشريف، كما في رواية الشريف الرضي، شطري حياة المتقين وهما الليل والنهار فاستمع إليه: "أما الليل فصافون
أقدامهم، تالين لأجزاء القران يرتلونه ترتيلاً، يحزّنون به أنفسهم يستثيرون به دواء دائهم، فإذا مروا باية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا
باية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم أما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، ويقول: لقد خولطوا ولقد خالطهم
أمرٌ عظيم".

إن الليل والنهار شطرا حياة الإنسان وهما يتكاملان، ولليل رجال ودولة، وللنهار رجال ودولة، ورجال النهار تنقصهم دولة الليل، ورجال الليل تنقصهم دولة النهار في الدعوة إلى الله وإقامة الحق وتعبيد
الناس لله، وأنصار الإمام المهدي‏ عجل الله تعالى فرجه الشريف رجال الليل والنهار، واتاهم الله دولة الليل والنهار.
سمة العبيد من الخشوع عليهم لله إن ضمتهم الأسحار
فإذا ترجلت الضحى شهدت لهم بيض القواضب أنهم أحرار

ولولا أنهم رجال دولة الليل لم يتمكنوا من مواجهة طغاة الأرض بمفردهم، ولولا أنهم رجال النهار لم يتمكنوا من تطهير الأرض من لوثة الشرك وإقامة التوحيد والعدل على وجه الأرض، ولو لم يكونوا من رجال النهار لم يحكّموا التوحيد والعدل في حياة الناس. ولم لم يكونوا من رجال الليل أخذهم الغرور وشط بهم عن الصراط المستقيم.

مرحلتان أم جيلان:
إذن نحن أمام جيلين، أولهما جيل يشهد سقوط التجربة الإشتراكية الماركسية، والتجربة الديمقراطية الرأسمالية وانهيارهما ويوطى‏ء الأرض لظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وهو "جيل
الموطئين"، وثانيهما جيل ينهض بنصرة الإمام عليه السلام ويقاتل بين يديه، وهو"جيل الأنصار". هل هما جيلان فقط أم جيلان ومرحلتان من التاريخ؟ لست أعلم، ولكن من المستبعد أن يتم هذا العمل
العظيم في جيل واحد.

* الحياة السياسية لأئمة أهل البيت عليهم السلام، سلسلة المعارف الإسلامية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- مستدرك الصحيحين للحاكم النيشابوري، 535 4644.
2- بحار الأنوار، 52/243، في هذا الحديث، تعني السلاح.
3- عصر الظهور، ص‏206.
4- بحار الأنوار، 60/216.
5- م. ن، 52/232.
6- سورة الإسراء، الاية/5.
7- م. ن، 52/63.
8- كنز العمال للمتقي الهندي، 7/26.
9- ينابيع المودة للقندوزي، ص‏449.
10- بحار الأنوار، 52/307.
11- م. ن، 52/334.
12- م. ن، 52/238، و239.
13- سورة صاد، الايات/47 45.
14- سورة القصص، الاية/77.
15- سورة البقرة، بالاية/201.
16- سورة الإسراء، الاية/29.
17- سورة المائدة، الاية/54.
18- نهج البلاغة، خطبة المتقين.
19- سورة المزمل، الايات/7 1.